3 - الشيعة
كان التشيع على عهد صاحب الشريعة الغرّاء وسمّى بعض الصحابة بالشيعة من ذلك اليوم، أمثال سلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار وحذيفة وخزيمة وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي أيوب وخالد بن سعيد بن العاص وقيس بن سعد وغيرهم(2).
والشيعة لغةً: - الأتباع والأنصار والأعوان، وأصله من المشايعة - المطاوعة والمتابعة، ولكن هذا اللفظ اختصَّ بمن يوالي عليّاً وأهل بيته عليهم السّلام(3).
وأوّل من نطق بلفظ الشيعة قاصداً به من يتولّى عليّاً والأئمة من بنيه هو صاحب الشريعة سيّد الأنبياء صلّى اللّه عليه وآله وقد جاءت عنه في ذلك عدَّة أحاديث(4).
______________________________
(2) الاستيعاب في أبي ذر، والدرجات الرفيعة للسيد علي خان في ترجمة سلمان، وروضات الجنّات نقلاً عن كتاب الزينة لأبي حاتم الرازي، وشرح النَّهج: 4/225، وخطط الشام لمحمّد كرد علي: 5/251 - 256.
(3) القاموس ولسان العرب ونهاية ابن الأثير ومقدّمة ابن خلدون ص 138 إلى كثير غيرها.
(4) راجع في ذلك الصواعق بعد الآية الثامنة والآية العاشرة من الآيات الواردة في فضل اهل البيت، ونهاية ابن الأثير في قمح، والدرّ المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى: «إِن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك خير البريّة» إِلى نظائرها من الكتب.
{ 44 }
وأما فِرق الشيعة فهي كثيرة، وقد أنهتها بعض كتب المِلل والنِّحل إِلى أكثر ممّا نعرفه عنها، فذكرت فِرقاً كثيرة، ورجالاً تنسب الفِرق اليهم، أمثال الهشاميّة نسبة إِلى هشام بن الحكم، والزراريّة نسبة إِلى زرارة بن أعين، والشيطانيّة نسبة إِلى مؤمن الطاق محمّد بن النعمان الأحوال، واليونسيّة نسبة إِلى يونس بن عبد الرحمن، إِلى غيرها، والحقّ اننا من أهل البيت وأهل البيت أدرى بما فيه لا نعرف عيناً ولا أثراً لهذه الفِرق، ولا للبدع التي نسبت لهؤلاء الرجال.
وإِنَّ من نظر في كتب الحديث وكتب الرجال للشيعة عرف أن هؤلاء من خواصّ الأئمة الذين يعتمدون عليهم ويرجعون الشيعة اليهم، ولو كان لهم آراء ومذاهب لا يرتضيها الأئمة لسخطوا عليهم وأبعدوهم عنهم، ومن سبر ما جاء عنهم في الرجال الذين انتحلوا البدع لعلم أن هؤلاء برآء مما نسبوه اليهم، فإنهم برئوا من ابن سبأ ولعنوه وحذّروا من بدعه، وبرئوا من المغيرة بن سعيد حين صار يكذب على الباقر عليه السّلام ويدّعي الأباطيل، كما برئ الصادق عليه السّلام من أبي الخطّاب وجماعته، ومن أبي الجارود وكما قالوا في بني فضال: خذوا ما رووا ودعوا ما رأوا، وكما برئ الحجّة المغيب من جماعة خلطوا في الدين وادَّعوا أنهم أبوابه، إِلى غير هؤلاء(1) ولو كان مثل هؤلاء الصفوة على مثل تلك الضلالات التي نسبت اليهم لكان نصيبهم من الأئمة نصيب غيرهم من الضالّين البراءة منهم والذمّ واللعن لهم.
نعم كانت للشيعة فِرق قبل عصر الصادق عليه السّلام وبعده وقد ذهبت ذهاب أمس الدابر، ولم يبق منها اليوم شيء معروف إِلا ثلاث فِرق:
______________________________
(1) انظر في ذلك كلّه غيبة الشيخ الطوسي طاب ثراه.
{ 45 }
1 - الإماميّة: وهم القائلون بإمامة الاثني عشر، وولادة الثاني عشر ووجوده اليوم حيّاً ويترقّبون كلّ حين ظهوره.
2 - الزيديّة: وهم الذين يرون إِمامة زيد وكلّ من قام بالسيف من بني فاطمة، وكان مجمعاً للخصال الحميدة.
3 - الاسماعيليّة: وهم الذين يجعلون الامامة بعد الصادق عليه السّلام في ابنه إسماعيل دون موسى وبنيه عليهم السّلام.
هذا ما بقي من فِرق الشيعة ظاهراً يُعرف منذ عهد بعيد حتّى الزمن الحاضر، وأما ما كان منهم في الزمن الماضي، فقد بحث عنه النوبختي في كتابه «فِرق الشيعة» وليس اليوم منها فرقة معروفة عدا ما ذكرناه.
والذي يهمّنا ذكره من بينها هو ما كان في أيام الصادق عليه السّلام وإن لم يبق اليوم منهم نافخ ضرمة.
الكيسانيّة: *
فمن فِرق الشيعة في عهد الصادق عليه السّلام (الكيسانيّة) وهم الذين قالوا بإمامة محمّد بن الحنفيّة، وقد اختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، وهم ينتهون إِلى فِرق:
فِرقة قالت بأن محمّداً هو المهدي، وهو وصيّ أمير المؤمنين عليه السّلام وليس لأَحد من أهل بيته مخالفته، وأن مصالحة الحسن عليه السّلام لمعاوية كانت بإذنه، وخروج الحسين عليه السّلام أيضاً بإذنه، كما أن خروج المختار
______________________________
(*) اننا نستند على الكثير ممّا نذكره عن الكيسانيّة إِلى كتاب فِرق الشيعة، والمِلل والنِحل، والفَرق بين الفِرَق.
{ 46 }
طالباً بالثأر أيضاً بإذنه، وفرقة قالت بإمامته بعد أخويه الحسنين عليهما السّلام، وإِنه هو المهدي وبذلك سمّاه أبوه، وإِنه لم يمت ولا يموت ولا يجوز ذلك، ولكنه غاب ولا يُدرى أين هو، وسيرجع ويملك الأرض، ولا إِمام بعد غيبته إِلى رجوعه وهم أصحاب ابن كرب ويسمّون «الكربيّة».
وفرقة قالت: بأنه مقيم بجبال رضوى بين مكّة والمدينة، وهو عندهم الإمام المنتظر.
وفرقة قالت: بأنه مات والامام بعده ابنه عبد اللّه، ويكنّى أبا هاشم وهو أكبر ولده، واليه أوصى أبوه، وسميّت هذه الفرقة «الهاشميّة» بأبي هاشم، وهذه الفرقة قالت فيه كما قالت الفِرق الأُول في أبيه، بأنه المهدي وأنه حيّ لم يمت بل غلَوا فيه وقالوا إِنه يحيي الموتى، ولكن لمّا توفي أبو هاشم افترقت أصحابه إِلى فِرق.
وكان من الكيسانيّة رجال لهم ذكر ونباهة، منهم كثير عزّة وله بذلك شعر يروى.
وكان منهم السيد إسماعيل الحميري الشهير. وله أيضاً شعر يشهد بما نسبوه اليه، ولكنه عدل عن ذلك إِلى القول بإمامة الصادق عليه السّلام بعد أن ناظره الصادق وأقام الحجّة عليه، وله في العدول والذهاب إِلى إِمامة الصادق شعر مذكور.
ومنهم حيّان السرّاج، وقد دخل يوماً على الصادق عليه السّلام فقال له أبو عبد اللّه: يا حيّان ما يقول أصحابك في محمّد بن الحنفيّة ؟ قال: يقولون: إنه حيّ يرزق، فقال الصادق عليه السّلام: حدّثني أبي عليه السّلام: إِنه كان فيمن عاده في مرضه وفيمن غمضه وأدخله حفرته وزوَّج نساءه وقسّم ميراثه، فقال: يا أبا عبد اللّه إِنَّما مثل محمّد في هذه الأُمّة كمثل عيسى بن مريم شبّه أمره
{ 47 }
للناس، فقال الصادق عليه السّلام: شُبّه أمره على أوليائه أو على أعدائه ؟ قال: بل على أعدائه، فقال عليه السّلام: أتزعم أن أبا جعفر محمّد بن علي عليهما السّلام عدوّ عمّه محمّد بن الحنفيّة ؟ فقال: لا، ثمّ قال الصادق عليه السّلام: يا حيّان إِنكم صدفتم(1) عن آيات اللّه وقد قال تبارك وتعالى «سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون»(2).
وقال بريد العجلي(3): دخلت على الصادق عليه السّلام فقال لي: لو سبقت قليلاً لأدركت حيّان السرّاج، واشار إِلى موضع في البيت، فقال: كان ههنا جالساً، فذكر محمّد بن الحنفيّة وذكر حياته، وجعل يطريه ويقرضه، فقلت له: يا حيّان أليس تزعم ويزعمون، وتروي ويروون: لم يكن في بني إسرائيل شيء إِلا وهو في هذه الأُمّة مثله ؟ قال: بلى، فقلت: هل رأينا ورأيتم، وسمعنا وسمعتم بعالم مات على أعين الناس، فنكحت نساؤه وقسّمت أمواله، وهو حيّ لا يموت ؟ فقام ولم يردّ عليّ شيئاً(4).
والكيسانيّة من الفِرق البائدة، ولا نعرف اليوم قوماً ينتسبون اليها.
الزيديّة:
ومن الفِرق التي تنسب إِلى التشيّع (الزيديّة) نسبة الى زيد بن علي بن الحسين عليهما السّلام، لأنهم قالوا بإمامته.
______________________________
(1) أعرضتم.
(2) إِكمال الدين للصدوق طاب ثراه ص 22، ورجال الكشي ص 203، والآية في سورة الأنعام: 157.
(3) من أصحاب الصادق ومشاهير ثقاتهم.
(4) رجال الكشي في ترجمة حيّان ص 202.
{ 48 }
وزيد عليه السّلام ما ادّعى الامامة لنفسه بل ادَّعتها الناس له، وما دعاه للنهضة إِلا نصرة الحقّ وحرب الباطل، وزيد أجلّ شأناً من أن يطلب ما ليس له، ولو ظفر لعرف أين يضعها، وقد نسبت بعض الأحاديث ادّعاه الإمامة لنفسه، ولكن الوجه فيها جليّ، لأن الصادق عليه السّلام كان يخشى سطوة بني أُميّة، ولا يأمن من أن ينسبوا اليه خروج زيد، وإِن قيامه بأمر منه، فيؤخذ هو وأهله وشيعته بهذا الجرم، فكان يدفع ذلك الخطر بتلك النسبة، ولو كان زيد كما تذكره هذه الأحاديث لم يبكه قبل تكوينه جدّاه المصطفى والمرتضى عليهما وآلهما السّلام، ولم تبلغ بهما ذكريات ما يجري عليه مبلغاً عظيماً من الحزن والكآبة، كما هو الحال في آبائه عندما يذكرون مقتله وما يجري عليه بعد القتل.
وكفى في إِكبار نهضته وبراءته مما يُوصم به بكاء الصادق عليه السّلام عليه وتقسيمه الأموال في عائلات المقتولين معه، وتقريع من تخلّف عن نصرته، وتسميته الثائرين معه بالمؤمنين، والمحاربين له بالكافرين.
وكيف يكون قد طلب الامامة لنفسه والصادق عليه السّلام يقول: رحمه اللَّه أما أنه كان مؤمناً وكان عارفاً وكان عالماً وكان صدوقاً، أما أنه لو ظفر لوفى، أما أنه لو مَلَك لعرف كيف يضعها(1). ويقول: ولا تقولوا خرج زيد فإن زيداً كان عالماً، وكان صدوقاً، ولم يدعكم إِلى نفسه، وإِنما دعاكم إِلى الرضا من آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله(2) ولو ظفر(3) لوفى بما دعاكم اليه، وإنما خرج إِلى سلطان مجتمع لينقضه(4).
______________________________
(1) رجال الكشي في ترجمة السيّد الحميري ص 184.
(2) الرضا: كناية عن إِمام الوقت من أهل البيت وإِنما يكنّى عنه حذراً عليه من التصريح باسمه.
(3) ظهر: في نسخة.
(4) الوافي عن الكافي، كتاب الحجّة، باب أن زيد بن علي مرضي: 1/141.
{ 49 }
ويقول الرضا عليه السلام للمأمون: لا تقس أخي زيداً إِلى زيد بن علي عليهما السّلام فإنه كان من علماء آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله غضب للّه عزّ وجلّ فجاهد أعداءه حتى قُتل في سبيله، إِلى أن يقول: إِن زيد بن علي عليه السّلام لم يدع ما ليس له بحق، وإنه كان أتقى للّه من ذلك، إنه قال: أدعوكم للرضا من آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله(1).
ولم تكن هذه الصراحة من الرضا عليه السّلام إِلا لأن العهد عهد العبّاسيّين ويقول ابنه يحيى: رحم اللّه أبي كان أحد المتعبّدين قائماً ليله صائماً نهاره جاهد في سبيل اللّه حقّ جهاده، فقال عمير بن المتوكل البلخي: فقلت: يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله هكذا يكون الامام بهذه الصفة، فقال: يا عبد اللّه إِن أبي لم يكن بإمام، ولكن كان من السادة الكرام وزهّادهم، وكان من المجاهدين في سبيل اللّه، قال: قلت: يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إِن أباك قد ادعى الامامة لنفسه وخرج مجاهداً في سبيل اللّه، وقد جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيمن ادَّعى الامامة كاذباً، فقال: مه مه يا عبد اللّه إِن أبي كان أعقل من أن يدَّعي ما ليس له بحق، إِنما قال: أدعوكم إِلى الرضا من آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله، عنى بذلك ابن عمّي جعفراً عليه السّلام، قال: قلت: فهو اليوم صاحب فقه، قال: نعم هو أفقه بني هاشم.(2)
وهذا الحديث كما كشف عن منزلة زيد الرفيعة في الدين والفضيلة وبطلان ما نسبوه اليه، فقد أثبت ليحيى مقاماً عليّاً في الورع والعلم والفقه.
والأحاديث عن نزاهة زيد عن تلك الدعوى وافرة جمّة، فهو أتقى وأنقى من
______________________________
(1) نفس المصدر.
(2) كفاية الأثر: 304.
{ 50 }
أن يلوّث نفسه الطاهرة بدعوى الامامة، وإِنّما ادَّعتها له بعض الناس بعد وفاته فعرفوا بالزيديّة لتلك المقالة.
والزيديّة فِرق يجمعها القول: بأن الامامة في أولاد فاطمة عليها السّلام ولم يجوّزوا ثبوت إِمامة في غيرهم، إِلا أنهم جوّزوا أن يكون كلّ فاطميّ عالم زاهد شجاع سخيّ خرج بالسيف إِماماً واجب الطّاعة سواء كان من أولاد الحسن عليه السّلام أو من أولاد الحسين عليه السّلام، ومن ثم قالت طائفة منهم بإمامة محمّد وإِبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن بن الحسن عليه السّلام(1) أحسب أن اشتراط الامامة في بني فاطمة إِنما كان منهم فيمن يكون إِماماً بعد زيد، لأن بعض الفِرق منهم رأت ثبوت الامامة للشيخين كما ستعرف.
البتريّة:
فمن فِرق الزيديّة (البتريّة) وهم أصحاب كثير النوى، والحسن بن صالح بن حي، وسالم بن أبي حفصة، والحكم بن عيينة، وسلمة بن كهيل، وأبي المقدام ثابت الحدّاد، وهم الذين دعوا إِلى ولاية علي عليه السّلام ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر وأثبتوا لهما الامامة، وطعنوا في عثمان وطلحة والزبير وعائشة. وقيل: سمّوا بالبتريّة لأن زيد بن علي قال لهم عندما أخذوا يذكرون معتقداتهم: بترتم أمرنا بترَكم اللّه، وقيل: سمّوا بذلك لأنّهم منسوبون إِلى كثير النوى وكان أبتر اليد(2).
ولو صحَّت هذه النسبة لكان الأصح فيها أن يقال - الأبتريّة - لا البتريّة.
______________________________
(1) المِلل والنِّحل المطبوع في هامش الفصل: 1/159.
(2) منهج المقال للشيخ أبي علي الحائري في الألقاب.
{ 51 }
السليمانيّة:
ومنهم (السليمانيّة) نسبة إِلى سليمان بن جرير، وكانوا يرون إِمامة الشيخين، ولكن يطعنون في عثمان وطلحة والزبير وعائشة، وينسبونهم إِلى الكفر، ويرون أن الامامة شورى، وتنعقد بعقد رجلين من خيار الأُمّة، وأجازوا إِمامة المفضول مع وجود الأفضل وزعموا أَن الاُمّة تركت الأصلح في البيعة لما بايعوا أبا بكر وعمر، وتركوا عليّاً عليه السّلام لأن عليّاً كان أولى بالامامة منهما، إِلا أن الخطأ في بيعتهما لا يوجب كفراً ولا فسقاً(1).
ومن ههنا نستظهر أن ما ينسب إِلى الزيديّة من الدعوى بأن الامامة لا تثبت في غير أولاد فاطمة إِنما هو فيمن بعد زيد من القائمين بالسيف.
كما انّنا لا نعرف وجهاً في عدّ هاتين الفِرقتين في عداد فِرق الشيعة.
الجاروديّة:
ومنهم (الجاروديّة) نسبة إِلى زياد بن المنذر أبي الجارود السرحوب الأعمى الكوفي، وقد يسمّون السرحوبيّة، وقيل: إِن السرحوب اسم شيطان أعمى يسكن البحر فسمّي أبو الجارود به، وكان أبو الجارود من أصحاب الباقر والصادق عليهما السّلام، ولمّا خرج زيد تغيّر، وجاء عن الصادق عليه السّلام لعنه وتكذيبه وتكفيره ومعه كثير النوى وسالم بن أبي حفصة وجاء فيه أيضاً أعمى البصر أعمى القلب(2).
والجاروديّة يرون أن الناس قصّروا في طلب معرفة الامام لأنه كان
______________________________
(1) الفَرق بين الفِرَق: ص 23: والمِلل على الفصل: 1/164.
(2) انظر ترجمته في كتب الرجال.
{ 52 }
بإمكانهم معرفته، بل كفروا حين بايعوا أبا بكر، فهم لا يرون إِمامة الخلفاء الثلاثة، بل يرون كفرهم، حيث ادّعوا الامامة ولم يبايعوا عليّاً عليه السّلام(1).
الصالحيّة:
وقيل: إِن منهم (الصالحيّة) نسبة الى الحسن بن صالح، وقد عرفت انّهم من البتريّة، لأن الحسن هذا من رجال البتريّة، فلا وجه لعدّهم فِرقة مستقلّة، نعم هناك فروق طفيفة بينه وبين كثير النوى أوّل رجال البتريّة لا تستدعي أن تكون فرقته فرقة تباين البتريّة.
وقد ذكر الزيديّة النوبختي في كتابه - فِرق الشيعة - على غير هذا النهج، وزاد فيها: غير أننا رأينا أن ما سطّرناه أقرب إِلى ما ذكرته كتب المِلل والنِّحل، فراجع إن طلبت الاستيضاح.
الإسماعيليّة:
ومن فِرق الشيعة (الإسماعيليّة) وقد نشأ القول بإمامة إِسماعيل أيّام الصادق عليه السّلام، إلا أنه كان من بعضهم على سبيل الظنّ لأن الامامة في الاكبر وإسماعيل اكبر اخوته، مع ما كان عليه من الفضل، فلمّا مات أيّام أبيه انكشف لهم الخطأ.
وأما من بقي مصرّاً على إمامته فهم على فِرق، لأنَّهم بين من أنكر موته في حياة أبيه عليه السّلام، وقالوا: كان ذلك على وجه التلبيس من أبيه على الناس، لأنه خاف عليه فغيّبه عنهم، وزعموا أن إسماعيل لا يموت حتّى يملك
______________________________
(1) الفَرق بين الفِرَق: ص 22، والملل على هامش الفصل: 1/163.
{ 53 }
الأرض ويقوم بأمر الناس، وأنه هو القائم، لأن أباه أشار اليه بالامامة بعده، فلمّا ظهر موته علمنا أنه قد صدق، وأنه القائم لم يمت.
وبين مَن قال بموته وأن الامامة انتقلت الى ابنه محمّد، لأن الامامة لا تكون إلا في الأعقاب، ولا تكون في الاخوة إلا في الحسن والحسين عليهما السّلام فلما مات إسماعيل وجب أن يكون الامام بعد جعفر عليه السّلام محمد بن إسماعيل، ولا يجوز أن يكون أحد من اخوة إسماعيل هو الامام، كما لم يكن لمحمّد بن الحنفيّة حقّ مع علي بن الحسين عليهما السّلام، وأصحاب هذا القول يسمّون «المباركة» برئيس لم يسمّى المبارك.
وأمّا (الخطّابيّة) أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع فقد دخلوا في الفرقة التي قالت بإمامة محمّد بن إسماعيل بعد قتل أبي الخطّاب، وهم من الأصناف الغالية، وتشعّبوا على فِرق والقرامطة منهم(1).
وكان أبو الخطّاب من أصحاب الصادق عليه السّلام، ولمّا بلغ الصادق أنه يكذب عليه طرده وتبرَّأ منه ولعنه.
ثمّ أنه ادّعى النبوّة واُلوهيّة جعفر بن محمّد عليهما السّلام، وأنه مرسَل من قِبله، وظهرت منه ومن جماعته بدع وأهواء وإِباحات، ولمّا بلغ عيسى بن موسى عامل المنصور على الكوفة ما عليه أبو الخطّاب وجماعته وكانوا سبعين رجلاً مجتمعين في مسجد الكوفة حاربهم فقتلهم جميعاً، فلم يفلت منهم إِلا رجل واحد أصابته جراحات فعدَّ في القتلى فتخلّص، وحمل أبو الخطّاب أسيراً فقتله عيسى بن موسى على شاطئ الفرات، وصلبه مع جماعة منهم ثم أمر بإحراقهم فأُحرقوا، وبعث برؤوسهم إِلى المنصور فصلبها على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام، ثم
______________________________
(1) فِرَق الشيعة: ص 67، 76.
{ 54 }
أُحرقت(1).
الإماميّة:
ومن فِرق الشيعة (الإماميّة) ويعرفون بالجعفريّة نسبة إِلى جعفر بن محمّد عليهما السّلام، لأنه المذهب الذي ينسبون اليه، وسيأتي أنه كيف صادر مذهباً دون سائر الأئمة وكلّهم مذهب في الأحكام.
والإماميّة هم الذين يرون الامامة في الاثني عشر: علي، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمّد بن علي، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمّد بن علي، وعلي بن محمّد، والحسن بن علي، وابنه المهدي المغيب الذي يترقّبون ظهوره كلّ حين صلوات اللّه عليهم أجمعين.
ويعتقدون أن إِمامتهم بالنصّ الصريح الجلي من النبي صلّى اللّه عليه وآله عن اللّه عزّ شأنه، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله نصَّ على خلافة علي أمير المؤمنين وإِمامته كما نصَّ على اخوَّته ووصايته، وكان النصّ منه في مواطن عديدة، منها يوم الغدير، كما أنه صلّى اللّه عليه وآله أخبر بأسماء الخلفاء والأئمة الذين هم بعد أمير المؤمنين عليه السّلام واحداً بعد آخر، على نحو ما ذكرناه من أسمائهم، وأكّدوا ذلك النصَّ من بعضهم على بعض، فنصَّ علي على الحسن، والحسن على الحسين، والحسين على ابنه علي، وهكذا الأب على ابنه إِلى أن انتهت إِلى ابن الحسن المنتظر، كما أنهم يعتقدون حياته ووجوده بعد ولادته عام 255، ليلة النصف من شعبان، وأنه تغيب فرقاً من فراعنة عصره، وأنه هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً(2).
______________________________
(1) فِرَق الشيعة: ص 69.
(2) ذكر كثير من أهل السنّة الامام المهدي وأنه ابن الحسن العسكري واعترفوا بوجوده وأنه الموعود به، انظر مطالب السؤل، والحجّة لابن عرب، ولواقح الأنوار، والتذكرة، وشرح الدائرة، والفصول المهمّة، وفرائد السمطين، الى غيرها، بل ادّعى بعضهم مشاهدته والاجتماع به.
{ 55 }
ويعتقدون أيضاً في هؤلاء الأئمة أنهم معصومون عن الذنب وعن الخطأ والنسيان والغفلة كما في نبيّنا وجميع الأنبياء عليهم السلام وأن علمهم ليس باكتسابي وإنما هو إلهامي ووراثة من النبي صلّى اللّه عليه وآله يورثه الأب لابنه والأخ لأخيه كما في الحسن للحسين، ولمّا كان الرسول صلّى اللّه عليه وآله وارث علم الأنبياء والمرسلين، وعنده علم الأوّلين والآخرين، كان أمير المؤمنين واجداً لهذا العلم كلّه، لقوله صلّى اللّه عليه وآله: أنا مدينة العلم وعليّ بابها، ولغير ذلك من الأحاديث وآي الكتاب(1) وورث أولاده الأئمة هذا العلم جميعه.
ويعتقدون فيهم أيضاً أنهم عبيد للّه سبحانه مخلوقون له، مرزوقون منه ليس لهم تصرّف في شيء من أمر العباد من حياة أو موت، وعطاء أو منع وشيء سوى ذلك، إِلا باذن منه تعالى على حدّ ما كان عليه النبي صلّى اللّه عليه وآله في شأن الخليقة، وقد جاء في الكتاب عن عيسى عليه السّلام «ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه».
واستدلّوا على ذلك كلّه بالبراهين العقليّة، وبالأخبار والآثار، وقد يأتي شيء من هذا طيّ هذا السفر.
كما استدلّوا على النصّ عليهم بالخصوص، بالوارد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله من طرق الفريقين من قوله صلّى اللّه عليه وآله: الأئمة من قريش وانهم
______________________________
(1) كتبت رسالة عن حديث الثقلين ودلالته على عصمة الأئمة وعلمهم بكلّ شيء، وقد أخرجتها المطابع، ورسالة في علم الامام وكيفيّته وعسى أن نتوفّق لطبعها.
{ 56 }
اثنا عشر(1) وانهم من ولد عليّ وفاطمة عليهما السّلام، وتسميتهم بأسمائهم واحداً بعد آخر.(2)
هذا فضلاً عن الاستدلال على الامامة باللطف، وانحصارها فيهم لو كان ثمّة إمام تجب إِمامته وطاعته ومعرفته.
والاماميّة ترجع إِلى هؤلاء الأئمة في أحكام الدين، فما ثبت عن النبي أو عنهم أخذوا به، وما اختلفت فيه الأخبار أعملوا فيه قواعد التعادل والتراجيح، حسبما هو مقرّر عندهم في اُصول الفقه.
وعندهم من الأدلّة على الأحكام غير الكتاب والسنّة الاجماع وحكم العقل القطعي، وعند فقدان الأدلّة الأربعة يرجعون إِلى الاُصول العملية، حسبما تقتضيه المقامات وهي قواعد فقهيّة عامّة تثبت بالأدلّة.
ويرون أن الأحاديث المرويّة عنهم من السنّة، لأنهم حملة علم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وحفّاظ شريعته، فما عندهم فهو عن الرسول صلّى اللّه عليه وآله لا عن اجتهاد ورأي منهم، والسنّة أحد الأدلّة الأربعة في استنباط الأحكام الفرعيّة، والأدلّة الأربعة كما أشرنا اليها: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والعقل، والبيان عن حجّيّتها وكيفيّة الرجوع اليها مذكور في كتب اُصول الفقه.
وأمّا اعتقادهم في اللّه تعالى شأنه، فهو أنّه سبحانه شيء لا كالأشياء ليس بجسم ولا صورة، ولا تقع عليه الرؤية في الدنيا ولا الآخرة، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وأن صفاته عين ذاته، وأنّه تعالى عادل لا يظلم أحداً من عبادة لقبح الظلم بحكم العقل، وأنّه خلق الأشياء لا من شيء.
______________________________
(1) مسلم من صحيح جابر، ومسند أحمد: 5/89 و2/29 و128، والصواعق: الفصل الثالث من الباب الأول، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 5، إِلى غيرهم.
(2) ينابيع المودّة: ص 427 و430 و442، وكفاية الأثر، والمقتضب والكنز وغيرها.
{ 57 }
وأمّا اعتقادهم في نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله فهو أنّه معصوم من الخطأ والزلل والنسيان والغفلة والذنوب الكبائر والصغائر، وأنّه ما ارتكب شيئاً منها قبل النبوّة ولا بعدها، وأنه مرسل إِلى العالم كلّه وهكذا اعتقادهم في الرسل والأنبياء من جهة العصمة.
ويرون أن الامامة من الاُصول ويجب إِثباتها بالأدلّة العقليّة عدا النصوص النقليّة، ومن البراهين العقليّة قاعدة اللطف.
وأمّا المعاد فيعتقدون فيه أن اللّه جلّ اسمه يعيد الناس للحساب بتلك الأجسام التي كانت في الدنيا، وهي التي تنعّم في الجنان، أو تعذّب في النيران.
وأمّا أفعال العباد فيعتقدون أنها أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض أي أنّ اللّه تعالى لم يجبر الخلق على أفعالهم حتى يكون قد ظلمهم في عقابهم على المعاصي، بل لهم القدرة والاختيار فيما يفعلون، ولا فوّض اللّه اليهم خلق أفعالهم حتى يكون قد خرج من سلطان قدرته على عباده، بل له الحكم والأمر وهو قادر على كلّ شيء ومحيط بالعباد.
وربّما يهيّئ اللّه تعالى للعبد أسباب الطاعة والهداية، كما يصدّ عنه أسباب العصيان والضلالة، لطفاً منه بعبده، وهذا ما نسمّيه بالتوفيق.
وهذا بعض ما تعتقده الاماميّة في الوجود والوحدانيّة، والصفات، وفي النبوّة والامامة والمعاد، وفي أفعال العباد.
وذكرنا لذلك كان استطراداً على سبيل الايجاز، واستيفاء الكلام على هذه المعتقدات في كتب الكلام والاعتقاد.
والإماميّة اليوم هم السواد الأعظم من الشيعة في جميع الأقطار الاسلاميّة وكتبهم في العلوم كافّة من أوّل يوم ابتدأ فيه التأليف حتّى اليوم مبثوثة بين
{ 58 }
الاُمم يقرأها الحاضر والبادي، والعالم والجاهل.
وليس اليوم غير الاماميّة، والزيديّة، والاسماعيليّة، فرقة ظاهرة تعرف اللّهمّ سوى بعض الفِرق الغالية التي تنتمي إِلى التشيّع.
ولمّا كان كلامنا عن الفِرق التي كانت في عهد الصادق عليه السّلام أهملنا عن بعض الفِرق التي حدثت بعد الصادق عليه السّلام أمثال الفطحيّة والناووسيّة والواقفيّة.